الشيخ محمد رشيد رضا
5
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يدعو اليه ! لو كان أخي يتابعني عليه لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدّق به ؛ ولكن أخي يضن بملكه من أن يدعه ويصير ذنبا . اه المراد منه ( وقد اسلم الرجلان بعد ) فعلم من هذه الشواهد ان النصارى الذين كانوا مجاورين للحجاز كانوا في زمن البعثة أقرب مودة للمؤمنين ، وأقرب قبولا للاسلام ، وان من توقف من ملوكهم عن الاسلام فما كان توقفه الا ضنا بملكه . وأن النجاشي [ اصحمة ] ملك الحبشة قد أسلمت معه بطانته من رجال الدين والدنيا . ولكن يظهر أن الاسلام لم ينتشر في الحبشة بعد موته رضي اللّه عنه ، ولم يعن المسلمون بإقامة أحكامهم في تلك البلاد ، كما فعلوا في مصر والشام ( مثلا ) وهذا بحث تاريخي ليس من موضوعنا هنا ، ولكن ورد ان النبي ( ص ) قال « دعوا الحبشة ما ودعوكم ، واتركوا الترك ما تركوكم » عزاه السيوطي في الجامع الصغير إلى أبي داود عن رجل من الصحابة وعلم عليه بالصحة . وقد رواه أبو داود بهذا اللفظ ، والنسائي بلفظه في آخر حديث طويل ملخصه ان النبي ( ص ) قال ما معناه ان اللّه تعالى أراه - وهو يحفر في الخندق في وقعة الأحزاب - بلاد كسرى فسئل ان يدعو اللّه تعالى بأن يفتحها لأمته فدعا ، ثم ذكر ان اللّه أراه ملك قيصر وديار الشام فسئل ان يدعو اللّه تعالى بأن يفتحها لهم فدعا . ثم ذكر ان اللّه أراه بلاد الحبشة وقال هذا الحديث قبل ان يسألوه الدعاء بفتحها . وجملة القول إن النبي ( ص ) والمؤمنين به رأوا في عصره من مودة النصارى وقربهم من الاسلام بقدر ما رأوا من عداوة اليهود والمشركين . وقد يظن بعض الناس ان سبب ذلك بعد النصارى عنهم ، وقرب اليهود منهم في المدينة والمشركين في مكة والمدينة معا . ومن بلغته الدعوة إلى ترك دينه إلى دين آخر من بعيد لا يعنى بعداوة أهلها وبمقاومتها كما يعنى القريب الذي توجه اليه الدعوة مواجهة ومشافهة . ولذلك كان اليهود في الشام والأندلس يعطفون على المسلمين عند الفتح ويرغبون في نصرهم على نصارى الروم والقوط . ثم صار بين المسلمين والنصارى من العداوة على الملك والحروب لأجله ما هو أشد مما كان من عداوة اليهود والمشركين لسلفهم في أول الاسلام والقاعدة لهذا الرأي أن العداوة والمودة كانت ولم تزل أثر التنازع على المنافع